الطبع        ارسل لصديق

المستشارية الثقافية الإيرانية في لبنان تكرم الناقد الأدبي البروفسور علي زيتون لنيله جائزة الفارابي الدولية

في أجواءٍ مسائيةٍ دافئة، عامرة بالفرح والشوق إلى الاجتماع البشري بعد قطيعةٍ سبّبتها أزمة كورونا، ورغم استمرار الوباء منتشراً، نظمت المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان والملتقى الثقافي الجامعي- بشرطِ مراعاة قوانين التباعد الاجتماعي ووضع الكِمامات- حفل تكريم في باحة مسبح Aqua School في "ببلدة بدنايل، للناقد الأدبي البروفسور علي زيتون، برعاية وزير الثقافة في حكومة تصريف الأعمال عباس مرتضى، بمناسبة نيله "جائزة الفارابي الدولية" في مهرجان الفارابي الدولي الحادي عشر، حيث منح المكرم درعًا تكريميةً من الرئيس الإيراني الشيخ الدكتور حسن روحاني ورسالةَ تقديرٍ موقعة منه.

بعد تلاوةِ آياتٍ من الذكر الحكيم والنشيدين اللبناني والإيراني، فتقديم من الدكتورة ريما أمهز، تحدث الوزير مرتضى، فرأى أن "رواد المعرفة، من أساتذة وباحثين ومثقفين، هم أيقونة لبنان، فخره وعزه ومستقبله"، مشيرًا إلى "دور اللبناني على مساحة المعمورة، وما سطره من إبداعات في المجالات كلها، لا سيما في الشعر والنقد الذي نقل تجارب الأدباء والكتاب من كل الثقافات إلى شعراء العرب ورواد الثقافة".


وقال: "إن وزارة الثقافة، إذ تحيي فيكم هذه الأصالة، وهذا الإصرار على المتابعة، وهذه الخصوصية بحضانة الكتاب والكتاب، والاحتفال بالمبدعين المكرمين، هي فخورة بإنجازكم، فأنتم تقدمون أنموذجًا رائعًا للعمل الثقافي المؤسساتي، وللثقافة التي ما زال لها في وطننا، مبدعون يكرَّمون فيه وفي البلاد العربية والإسلامية، نحتفل اليوم بكبير منهم، الناقد والباحث الأكاديمي الدكتور علي زيتون، بعد نيله جائزة الفارابي الدولية التي تسعى لتعزيز البنى الثقافية وإنتاج المعرفة والعلوم الإسلامية، ونحن، في هذه العشية، نعتز بهذا المبدع، كما نعتز بالجائزة التي نالها، وبكل الجوائز التي تكرم الكبار الفاعلين في المشهد الثقافي العربي والعالمي".

وأكد أن "وزارة الثقافة، المعنية دائما بالمبدعين، وبالإنتاج الثقافي اللبناني المتميز، تشارككم جميعا هذه الفرحة، شعراء، ومبدعين، ونقادا، ومحبين للكلمة".

وختم مرتضى: "نبارك للدكتور علي زيتون هذه الجائزة، نتمنى أن يكون للقلم صدى كبير في هذا الوطن الذي نريده كما يليق بشهدائه وشعرائه، وطن العلم ومنارة الأجيال".

من جهته  المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان الدكتور عباس خامه يار، قال: "منذ بداية معرفتي بالدكتور علي زيتون، التي تعود إلى ثلاثة عقود، أي في أوائل التسعينيات، ما كان بارزا في شخصيته، وما يزال، هو الخلق الرفيع والتواضع وكرم الأخلاق وطيبة القلب والزهد عن زخرفات الدنيا ووفائه لبلده وشعبه وأمته، تعرفت إليه وتابعت آثاره في الدراسات الادبية والعلوم الإسلامية والإنسانية، وكان ذلك بالتزامن مع الثناء الذي كان من حوله وفي حضوره وغيابه على حد سواء، فلم يكن طلابه مجرد تلامذة، بل كانوا بمثابة أبناء له، يحيطون به كمن يحيط بجوهرة نفيسة لا يرغب أن يفارقها، وأثره الطيب والكبير الذي تركه في نفوس طلابه اللبنانيين والإيرانيين سواء في لبنان أو في إيران".

وأضاف الدكتور عباس خامه يار: "حضرنا اليوم، لنكرّم قامة أدبية فكرية من قامات لبنان التي تركت بصمة عميقة في العلوم الإنسانية والإسلامية فامتد أثرها إلى العالم الإسلامي وإلى الجمهورية الإسلامية بشكل خاص".

ورأى أن "مهرجان جائزة الفارابي الدولية هو من أهم المهرجانات للعلوم الإنسانية في المنطقة، وربما العالم الاسلامى بأجمعه، لما يحمله من اهتمام وإحاطة بمجال العلوم الإنسانية".

وأضاف: "أبارك للدكتور زيتون جائزة فارابي الدولية، وأقدمها له مع رسالة تقدير موقعة من الرئيس روحاني، وأبارك لجميع محبيه هنا بيننا وفي إيران وكل مكان، وأبارك لنفسي معرفتي بهذا الرجل الكبير، وهذه القامة المرتفعة بفكرها، المنحنية بتواضعها ورفعة خلقها".

ثم كانت كلمة أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية الدكتور محمد طي، الذي قال " أن يكون هناك أناسٌ يستحقّون التكريم، فهذا أمر طبيعيّ، وإن كانوا من الندرة بحيثُ يجبُ البحثُ الدؤوب عنهم في مطاوي التميز، وهي غالباً ما تكونُ مستترةً عن العيونِ الغافلة، شاخصةً أمامَ العيون المبصرة".

وأن يكونَ هناك مكرِّمون فهذا أمرٌ طبيعيٌّ هو الآخر... إنّما تبقى الـ "ولكن". أضاف طي

المكرَّمون اليومَ ليسوا المبدعين المتفوّقين غالباً، إن لم أقل أبداً، بل ربّما أحياناً التافهون، ينحازون إلى جهاتٍ معروفة بـ"مكرماتها"، يمسّحون الجوخَ، وربّما ما هو أدنى.

والمكرِّمون هم عادة الباحثون عمّن يخترعُ لهم الإنجازاتِ ويجترحُ لهم المزايا. وفي عالمِنا العربيِّ خلصّةً ومعظمِ الإسلاميّ، الجاثمون على صدورِ شعوبِهم يقنِّنونَ لها الأنفاسَ ويقطعون من السنتِها المقدارَ "الزائدَ"، وهو المعنيُّ بحريةِ إبداءِ الرأي، "جريمةِ طولِ اللسان".

لكنّ علي زيتون تكرّمُه الجمهوريّةُ الاسلاميّةُ اليومَ ونكرّمُه معَها. فمن أيِّ صنفٍ هو؟

هو رائدٌ، مهما تواضعتُ معَه، أقولُ: كانَ واحداً من مجموعةِ يعدُّ أفرادُها على الأصابعِ في ميدانِ لغةِ الضاد، يأتي بكلِّ جديد، ينقّبُ، يبتكرُ، يبدعُ... فكان ما كان ومن كان. كان علي زيتون علماً وثقافةً وعطاءً، بل أقول : كان علي زيتون وكفى".

اكد طي ايضًا على أن علي زيتون الأصالةُ والتجديد، هو ابنُ بيتِ إيمانٍ وتقوى، غرَسَ في أعماقِ طفولتِه الإسلامِ الصافيِ الأصيلَ. فلازمَه ظاهراً حيناً وباطناً حيناً، ولكنّه لم يبارحه، فكان أصيلاً، جذورُه في التاريخ. أمّا فروعُه ففي المستقبل.

لم يكتفِ علي بقراءةِ الأدبِ التقليديِّ والتفقِّه فيه، بل انفتحَ على الحداثةِ وما بعدَ الحداثة، فلم يجارِه في ذلك إلاّ الأقلّون النادرون، ولكنّه لم يكن مقلداً على طريقةِ "قال المعلم"ً، magister dixit، هو تمثّلَ كلَّ هذا، فتكوّنت شخصيّتُه المتميّزةُ، بل الممتازةُ، الأدبيّةُ والنقديّةُ.

إنّه المتواضعُ، وهذا ربّما ما حرمَه الشهرةَ المتعارفَ عليها، هو فلاّحٌ يُطعمُ الدنيا، ويقتاتُ ممّا يتبقّى له. فهو لم يعتلِ صهوةَ المناصبِ، كان جديراً بأهمِّها، كان حقيقاً بأن يرأسَ الجامعةَ اللبنانيّةَ، فيسيرَ بها في مدارجِ التقدّمِ والرقيّ، ويمدَّها بنسغٍ أخلاقيٍّ يغذوهُ أرفعُ القيمِ الانسانيّة.

وكان يستحقُّ المواقعِ العليا، ولكنّها زُويت عنه، كانت مصادرةً لأصحابِ الحظوةِ، الأزلامِ، الذين لا يُجيدون غيرَ البصمِ، و"أمرَك سيّدي"." تعليمُه على مدى نصفِ قرنِ ونيّفِ، وإبداعاتُه لم تلفت أصحابَ الشأنِ عندَنا، من يسخون بالأوسمةِ، بل قلِ بالنياشين (ما الفرقُ عن زمانِ العثملي) على أصحابِ الحظوةِ.

تذكّروهُ من مسافةِ مئاتِ الكيلومترات، استرعى اهتمامَ من يعشقون العربيّةَ، وإن كانوا من غيرِ الناطقينَ بها، ويدرؤونَ عن العروبةِ وإن تنكّرَ بعضُها لهم، ويحمونَ الإسلامَ وسائرَ الأديانِ السماويّةِ، وإن حملَ المحميُّ البذاءةَ إلى الحامي، واستعانَ عليهِ بأعداءِ الأمّةِ، أعداءِ الشعوبِ، قتلةِ البشرِ من كلِّ صنفٍ ولون.

الجمهوريّةُ الإسلاميّةُ عرفت إنساناً اسمُه علي زيتون، قال طي " بلغَها صدى إنجازاتِه في ميادينِ الأدبِ والنقدِ، دونَ أن يبلغَ الصوتُ آذانَ وزراءِ التربيةِ عندَنا، ولا رؤساءَ جامعتِنا اللبنانيّة".

أحبّت الجمهوريّةُ أن تعترفَ لهذا الإنسانِ بموهبتِه، وهي التي تعترفُ بالمواهبِ وتقدّرُها وتدعمُها وتمدُّها بوسائلِ التفتّحِ، وإلاّ كيف اجتازت في عقدينِ ما احتاجت أوروبا إلى خمسةِ قرونٍ لتحقّقَه. وكيف تغلّبت في أقلَّ من عقدٍ من الزمنِ على خرابِ عقدٍ  من الحربِ، الحربِ المدمّرةِ الهمجيّةِ التي فرضَتها عليها أميركا والغربُ كلُّه بأحدثِ ما في ترسانةِ أسلحتِهمما، لكن بأدواتٍ محليّةٍ، ومعظمُها ما انفكَّ حتى اليومِ، يحرسُ خزائنَ المالِ، التي يُسمحُ له أحياناً بأن ينفقَ منهُ من أصلِ مئاتِ ملياراتِ البترودولار ما يفيضُ عن حاجةِ أسيادِه القدامى في ما وراءَ البحارِ أو حماتِهِ المستحدَثينَ على مشارفِ بوّاباتِه. مالٌ هو مالُ الأمّةِ كلِّ الأمّة، وليس مالَ شيوخِ القبائل.

لكن هل بالعلمِ وحدَه تحيا الشعوبُ؟

هما صنوانِ لا يفترقانِ، أحدُهما الشرطُ والآخرُ مشروطٌ، الأوّلُ هو الخُلُقُ، والثاني هو العلمُ.

علي زيتون هو الشجرةُ بصنويها. فهو ابنُ هذا السهلِ، رحبٌ مثلُه، معطاءٌ بلا حدودٍ، لا يريدُ جزاءً ولا شكوراً. بل هو يشكرُ من يقبلُ عطاءَه. ويثمرُ عطاؤهُ كحقولِ هذا السهلِ وجنائنِهعلّم الأجيالَ من كلِّ الأعمارِ في حورتعلا وبدنايل وكليّةِ الآدابِ، وتركَ، لا البصماتِ، بل الطبائعَ والشمائلَ

كانَ يعطفُ على طلاّبِه، عطفَ الأبِ على أولادِه. كانَ حنوُّه عليهم زائداً عن الطبيعيِّ، فهو يدركُ عطشَهم للعلمِ الذي لم يرتووا منهُ في مدارسِ المنطقةِ التي تحتاجُ إلى كلِّ شيءٍ, فيخرجُ تلاميذُها الفقراءُ على قصورٍ، فيجدُ علي من واجبِه أن يعوّضَهم بجهدِه وعرقِه وعلى حسابِ راحتِه

علّمَ الأجيالَ نصفَ قرنِ، لكنَّه لم يتقاعد، بل أقامَ من بيتِه العائليِّ منتدىً للأدبِ وللأخلاقِ، استمرَّ في رعايةِ الواعدين من أبناءِ هذهِ المنطقةِ المنكوبةِ منذُ أن كانَ لبنانُ. فنبغَ على يديهِ ومعهُ من بينِ تلكَ الثلّةِ أدباءُ، شعراءُ، قاصّونَ، كُتّابٌ في الفكرِ والفلسفةِ

وكم من مَدينٍ له يحتلُّ أعلى الرتبِ العلميّةِ. وربّما أعلى المناصبِ الرسميّةِ هو على خطى عظماءِ الأمّةِ وعلى رأسِهم أئمتُه الذين كانوا أساسَ الدينِ وذروةَ العلمِ. ألم يكن إمامُنا عليٌّ مثالَ الإنسانِ المؤمنِ، بلِ الإيمانَ من لحمِ ودمٍ، وأباً كلِّ علومِ الإسلامِ، ألم يكنِ الإمامُ الصادقُ أستاذاً لأصحابِ المذاهبِ، ومعلّماً للكيماويّينَ، والمنافحَ عن الإيمانِ ضدَّ الهراطقةِ، وإن كانَ الإمامُ رحمَ عجزَنا، إذ لا نقدرُ أن نكونَ مثلَه، ومن مثلُه؟ فطلبَ منّا أن نعينَه "بورعٍ واجتهادٍ وعفّةٍ وسدادٍ"، فاستجابَ علي زيتون، استجابَ بخلقِه، واستجابَ بعلمِه. واستجابَ بجهادِهِ، فهو ليس منعزلاً متنسّكاً في صومعةِ الأدبِ. وأشهدُ، وأنا الذي أعرفُه منذُ نصفِ قرنٍ، أنّه موجودٌ في ساحاتِ العملِ الوطنيِّ، مناضلاً من أجلِ لبنانَ قويٍ عزيزٍ، تقدُّميٍ، تسودُه المساواةُ والحرياتُ والعدالةُ، داعِماً للقضيّةِ الفلسطينيّةِ، ومنخرطاً من بعدُ في المقاومةِ الإسلاميّةِ، بجهدِهِ كلّهِ، وبعلمِه، ألم يؤلّف في الأدبِ المقاومِ، اعترافاً لأربابِه بفضلِ خيارِهم وإبرازاً لجهادِ أقلامِهم؟ ألم يترك مجلةً شاركَ بتأسيسِها إذ لم تعترف للمقاومةِ بأولويّتِها؟

تابع الدكتور طي تعلّمتُ من علي زيتون التواضعَ والمناقبيّةَ، لكنّني لم أبلغ شأوَه، هو صعبُ المرتقى بالنسبةِ إلينا نحنُ الذين ما زالتِ الدنيا تغرينا بزِبرجِها، وما زلنا نضيقُ ذرعاً بسؤالِ السائلينَ إذا ألحفوا، والمتعلمينَ إذا صعُبَ علينا تعليمُهم، أوِ انحزنا إلى خصوصياتِنا البسيطةِ تشاغلاً عنهُم

وختم طي كلامه "فلنتعلم من علي زيتون تواضعَ الكبارِ، وعدمَ الركونِ إلى متيسّرِ العلمِ دونَ الصعودِ نحوِ قممِه، ولنتعلّم منهُ الإقبالَ على الجهادِ بكلِّ ألوانِه وبما نستطيعُ، وليتعلّم مسؤولونا من السيّدِ رئيسِ الجمهوريّةِ الإسلاميّةِ الإيرانيّةِ الذي يكرّمُ هذا الإنسانَ الفذَّ، البعيدَ عن بلادِه مسافةً، القريبَ عقلاً وقلباً، ليتعلّم مسؤولونا، ولكن هيهاتَ، من مسؤولي الجمهوريّةِ متابعةَ العلماءِ وتشجيعَهم وتوفيرَ أدواتِ البحثِ العلميِّ لهم، علَّنا نخرجُ من مستنقعِ التردّي والانزلاقِ نحوَ الحضيضِ، ناهيكَ بالتقدّمِ ومسايرةِ الأممِ في طريقِ تقدّمِها، لكن في جانبِهِ المضيءِ الصاعد".

من جهته رئيس حركة الريف الثقافية  الدكتور محمود نون قال "في فجيعة الإنسان بالوجود أنه لا يقوى، في رمشةٍ واحدة، رغم التبصّر والتأمل، على إدراك أكثر من صورةٍ واحدة أو فعلٍ ما من اللامنتهي من الصور والأفعال التي يتجلى بها الوجود في لحظةٍ واحدة. إلى ذلك يختزن الوجود تلك الصور والأفعال، فتبدو مؤشراً لحركة الحياة في أبعادها الماضوية والآنية، والمستقبلية أيضاً".

أضاف نون "ومع أن تلك الصور والأفعال تتمايز عن بعضها تبعاً لمكونات العالم التي ينتجها، فإنها تتماسك مع بعضها من الآمال والأحلام والقيم التي تشترك بها الجماعات الإنسانية وإذا كان الأدبُ هو الذي يكشف عن المخبوء من الدلالات والمؤشرات التي تحملها الصور والأفعال في جوهر حركتها، فإن الإبداع العظيم هو الذي يحمل تلك الصور والأفعال، فكل دلالاتها، من عالمها الضيق إلى عالمها الواسع، عالم الإنسان في كل زمانٍ ومكان. وإن كان لكل إبداع أدبي مكوناته، وكانت تلك المكونات هي التي تعطيه خاصيته وفرادته في إطار الجمال والكمال الإنساني العام، فإن هذا الإبداع يحتاج، بالضرورة، في قراءته، لمنهجٍ ثقافيٍّ يقارب تلك المكونات التي تساهم في تشكل ذلك الإبداع، وعليه، فقد استطاع الغرب أن يختطّ لنفسه نطريتي الانعكاس والانكسار في مجال قراءاته الأدبية، في حين أننا، نحن في الشرق، ولفراغٍ في أيادينا، لجأنا إلى هاتين النظريتين، دون الانتباه إلى خصوصية مكونات كل إبداع في ناحية من نواحي الوجود. وكان علينا أن ننتظر حتى ولادة "المنهج الثقافي" القائم على نظرية الكشف للبروفيسور علي زيتون. هذه النظرية الحديثة والمبتكرة التي كشف عنها وقدمها للحركة الأدبية العالمية؛ مهرجان الفارابي الدولي في إيران، علماً أن هذه النظرية هي الأقرب من غيرها لمؤانسة تلك الآداب، ذلك أن مكونات الآداب التي تحمل صفة العالمية هي تلك التي تنضح بروحانيةٍ وخاصيةٍ إنسانيةٍ تعطيها فرادتها وتميزها لما فيها من سعيٍ للكشف عن جوهر الحياة، بعيداً عن قشور الظواهر العابرة في الوجود.

علي زيتون، في المنهج الثقافي القائم على نظرية الكشف، نفخر بحضوره العالمي وننهل وغيرنا من أهل الفكر والأدب مما جاء به من معرفة بعد طوافه الطويل في رحاب المعارف الأدبية والإنسانية.

علي زيتون جاءنا بما رأى من رؤى، وأرى أن بصيرته في ذلك الطواف كانت من حديد".

وختم  الدكتور نون كلمته  "علي زيتون ليس ناقداً كبيراً وحسب، بل هو أيضاً باحثٌ كبير، وأديبٌ مرموق، وشاعرٌ شفاف، وعلامةٌ ثقافيةٌ فارقة، ومهمومٌ بالثقافة وأهلها، استحق مصداقية نيله جائزة الفارابي الدولية ومنحةَ فخامة الرئيس الدكتور حسن روحاني، فاستحق لنا التمني عليه أن يرفدنا بالمزيد من الأعمال الأدبية والإضافات الفكرية.

المدير السابق لكلية الآداب في الجامعة اللبنانية الدكتور علي حجازي افتتح كلمته بالقول "جميلة هذه الساعة التي نجتمع فيها على حب الأخ الكبير، والصديق الحبيب  الاستاذ الدكتور على زيتون بغية تسليمه الدرع التكريمية المقدمة من يد شرقية مباركة امتدت إلى ربوعنا تحتضن هذه القامة الثقافية الكبيرة، كريمة البذل والعطاء، بمسعى مشكور من سعادة المستشار الثقافي الحبيب، تلك اليد نعرفها، إنها يد السيد الدكتور حسن روحاني رئيس الجمهورية الإسلامية وبعد، حين طلب إلي المشاركة في هذا التكريم انتحيت جانبًا، ورحت ألملم ذكرى المواقع العديدة التي حملت بصمتك البهية  ولا تزال، والتي تجاوزت جهات الوطن وقلبه إلى دمشق  والخرطوم والقاهرة وبغداد ورشت وطهران وغيرها من المراكز الثقافية التي شاركت فيها. وشرعت أتابع  مسار خطوطها المشعة التي ظهرت بيان سيرتك الذاتية  المطرزة بخيوط من إبداع ونقد وتحقيق وإشراف على رسائل وأطاريح جامعية جاوز عددها المئتين.  فضلا عن مساهماتك في اللجان العلمية في الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة، في لبنان والخارج. فبدا لي الأمر صعبًا خشية ألا أفيك حقك  في دقائق معدودات".

أضاف حجازي "لأن رمح الثقافة لا يوضع في عديلة الوقت غير أنّ الذي أراحني هو وجود قامات عالية تكلّفت إكمال سرد تفاصيل السيرة البهية، سيرتك التي تليق بها الألقاب العالية من "راهب الثقافة والأدب" المنذور لها إبداعًا ونقدًا إلى "أيقونتها الفريدة" إلى "نخلة الثقافة والأدب"

أجل أيتها النخلة السامقة التي استلت من لحمها خيوطًا لفتها  بعناية فائقة على عري سعيفاتها، محتضنة إياها، صانعةمن تكاتفها ساقًا امتدت إلى العلاء كثيرًا، هي تشبهك أيها العصامي الرافض أبر الآخرين وخيوطهم، نعم فعند يفاعة نخلتك، صدّقت فأبصرت نخيل البقاع حزينًا  وهو يسرد وجع الأرض وإهمالاتها المتراكمة منذ زمن بعيد. كان يلوح بمناديل من جريد إلى نخيل الجبل العاملي والبقاع الغربي، والشمال، وإلى كل منطقة لفحها هجر الحرمان فرفعت رايتها تشكو قلة المدارس والجامعات ، ندرة المعامل والمستشفيات، مع المراكز الثقافية.

وقال حجازي "عند قراءتك هذا الواقع المؤلم تساءلت: لم لمْ يينع الشعر في بقاعنا إلا قليلا؟ لم لم يزهر النثر في أرضنا كثيرا؟ ولم يلفحنا حر الاهمالات العديدة، والاتهامات الباطلة المتواصلة بحق أهلنا الصابرين. ومن ثرانا نبت رجال قاوموا المحتلين فأبدعوا. رحتَ ترسم خارطة الثقافة الخضراء مع ثلة مباركة من اقرانك ، فتشابكت الايدي ْ وابصرنا المنتديات الثقافية ممتدة من بعلبك الى حوش الرافقة حيث تحول البيت الى مركز الملتقى الثقافي الجامعي إلى حربتا وحركة الريف الثقافية دارة الشاعر الكبير محمود نون التي ابدعت في احتضان المبدعين ْ وطباعة الدواوين والروايات والمجموعات القصصية فضلا عن تكريم الاعلام في هذا الوطن .الى زحلة والهرمل وعلي النهري ، وتابعت خطوط بصمتك الى بيروت ومراكزها الثقافية العديدة . اما الاونيسكو والجامعة اللبنانية فقد احتضنتا المؤتمرات التي عقدتها على حب المقاومة إبداعاتٍ وابحاثا ْ من لبنان والخارج....

إن المنتديات الثقافية المنتشرة في الربوع العاملية العديدة من النبطية الى العباسية وصور وبنت جبيل وقبريخا، تانس بقراءتك النقدية ، وتغتني بافكارك المبتكرة ْوتسرّ كثيرا وهي تستمع اليك معالجا شيفرات نصوص الأدب المقاوم التي اعطيتها من وقتك الكثير الكثير ، بحثا وقراءة وتقديما، أما اشتغالك على امبرتو ايكو فعمل جديد غير مسبوق، وكان لديوان الثقافة والادب في قبريخا نصيب كبير حيث كنا ضيوفا على توقيع كتابك المعنون :المدرسة الايكوية في الكتابة ، ما لا يمكن تنظيره يمكن سرده . اما المسالة المهمة جدا فهي انتاجك المنهج الثقافي ونظرية الكشف . وهذا من نتائج اهتمامك بالنقد الادبي وتطوره.

أما مساهماتك الفاعلة في البعد الإسلامي  فواضحة ومشكورة، اشار حجازي وكتابك "الإعجاز الفني في القرآن " أضحى مصدراً مهماً ومقصد الطلاب في لبنان والخارج. وتسعدني هنا  الإشارة الى مساهماتك الثقافية والادبية المباركة في ربوع الجمهورية الاسلامية الحبيبة.

هذا غيض من فيض عطائك صديقنا الحبيب،الانسان الطيّب الهادئ المتواضع،الاستاذ الذي يحتضن طلابه،آخذاً بأبديهم الى برّ الأمان.لذا ليس غريباً ان نراه محاطاً بقلوب أحبته. تفيّأت ظلّ نخلته،وتذوّقت جناها الطيب، وآنست به أباً وأخاً وصديقاً، ويبقى ان اخبركم بصفة طيبة من صفاته الطيبة العديدة.فهو مسامح،كاظم الغيظ, واليكم القصة موجزة: بعدما لحق به ظلم كبير من مسألة أزعجته طويلاً،حللنا ضيفين في مقام  إمامنا العظيم ،قاضي الحوائج الى الله، علي بن موسى الرضا  عليهما السلام. تقدمنا من المرقد  الشريف، كان صوت المؤذن يصدح  في الأرجاء مع الفجر، كانت مني التفاتة اليه، كان باسطاً كفيّه الى السماء، ظننته شرعَ  يرفع ظلامته الى الله، وسرعان ما أبصرت الدموع  منساحة على خدّيه، أعقبتها كلماتٌ صادرة من قلب مكلوم: سامحهم الله، سامحهم الله... سامحه الله.

ختم حجازي كلامه "أيُّ إنسان  طاهر  نقيّ أنتَ  يا صديقي،تسامح في اللحظة التي يمكنك فيها رفع شكواك الى الله. هذا هو  صديقي المكرّم،قامة ٌ إنسانية، إبداعية، تربوية تعليمية، بحثية، مقاومة، كريمة.

باختصار أقول: إن علي زيتون رفع الحرمان الثقافي عن هذه المنطقة العزيزة من الوطن، فالبقاع اليوم مشعّ  بفضله وبفضل هذه  القامات المبدعة في اختصاصات متنوعة.نعم البقاع اليوم لا يشبه  الأمس.أعرفتم الآن لماذا  يكرّمه سيادةُ الرئيسِ الدكتور حسن روحاني المنشغل في مواجهة الاستكبار العالمي، وفي مساعدةِ الشعوب المضطهدةِ المقهورةِ وحمايتها من الاستقواء.

ثم توجه بالشكر لسعادة المستشار الثقافي على مسعاك الطيّب هذا، كما شكر كل من تعب في الاعداد لهذا التكريم وللمشاركين.

من جهته الناقد الدكتور إيلي أنطون، افتتح كلمته بالقول "كيف أبدأ ومن أين ؟ لطالما راودني هذان السؤالان عندما كنت أهم بالكتابة أو الحديث عن دكتور علي زيتون فالكلام عنه يطول ويطول ولا يكاد ينتهي، فكيف لنا أن نحيط بفيض المحيط واتساعه؟ إنه الأب والصديق والأخ والمعلم والباحث الناقد والإنسان، وفي هذا المقام سأتحدث عنه من زاويتين اثنتين التزاما بالوقت المتاح، الأولى علي زيتون الإنسان المعلم والأب، والثانية علي زيتون الناقد الكبير والمقاوم الصلب.  عرفته مذ كنت في السنة الجامعية الأولى منذ ما يربو على الثلاثين عاما، وقد عرفت لاحقا بأنها كانت سنته الأولى في التدريس الجامعي أيضا، كان هدوؤه متميزا ورصانته محببة، يأسر الطلاب بأسلوبه الهادئ ومعرفته العميقة، وحضوره الأليف، كان يحثهم على العمل الدؤوب والتحصيل المستمر، ولعله الأستاذ الوحيد الذي دعانا الى منزله ونحن عائدون من الجامعة الى منازلنا ليلا، لنستأنس بجلسة مسائية لا تنسى، كانت بداية رحلة صداقة مازالت أواصرها معقودة حتى الآن وستبقى.

يقول أرسطو" التعليم إيقاد شعلة وليس ملء وعاء" وهذا ما فعله الدكتور علي إذ راح يوقد الشعل ويضرم النيران نيران المعرفة على امتداد البقاع والوطن، فأعطى وأرشد ووجه بأمانة وسخاء وزرع جذوة الثقافة الأدبية الإنسانية في حنايا طلابه، وراح يدعم طلاب الدراسات العليا والدكتوراه بكل ما أوتي من معرفة وتوجيه وشد همم، وهكذا دواليك حتى كبرت كرة الثلج على امتداد هذه السنوات واتسعت وترسخت ضاربة جذورها في عمق الأرض البقاعية، وأثمرت وأعطت أكلها في وقت نحن فيه بأمس الحاجة إلى الثقافة الإنسانية والمعرفة في وطننا الجريح والمتآكل أنانية وطائفية وعنصرية وغباء.

ثم توجه بالقول الدكتور علي زيتون كما هذا السهل سهل البقاع، بذراعيه المعطاءين الفياضين،العاصي والليطاني، اللذين سارا باتجاهين مختلفين إلا أنهما حملا وحدة الهدف، حاول باللحم الحي والإرادة الصلبة أن يروي هذا السهل القاحل الجديب المتروك لمصيره، وأفلح إذ رواه ثقافة وعلما وأدبا بحنو وأبوة وإنسانية قل نظيرها.

بعد ذلك تحدث الدكتور زيتون، فقال: "أن أكرم في مثل هذه الظروف يعني أن لي حظا وافرا أغبط نفسي عليه، كيف لا، وأنا محاط بجمع ممن أحبهم ويحبونني، ويمنحني رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية الدكتور حسن روحاني درعا تكريمية تمثل شرفا كبيرا لي، ويقدمها لي المستشار الثقافي الدكتور خامه يار الذي له فضل ترشيحي وتزكيتي لنيل جائزة الفارابي، بحضور معالي وزير الثقافة والزراعة الدكتور عباس مرتضى الذي يشرفني حضوره ورعايته المشكورة".

وأضاف "جائزة الفارابي التي تحمل من جينات الثورة الخمينية ما تحمل، هي دين كبير في عنقي، كيف لا وأنا كمعظم اللبنانيين ما زلنا في بيوتنا بفضل الدعم الكبير الذي قدمته الجمهورية الإسلامية للمقاومة اللبنانية خصوصاً في صيف العام 2006 الذي شكل مفصلاً هاماً في تاريخ الصراع مع العدو الصهيوني".

ووجه في الختام كلمة شكر لمقدمة الحفل د. ريما أمهز وزوجها الأستاذ حسن الرمح على ما قدماه لإنجاح هذا الحفل.

ثم عرضت كلمة الوزير حسين ميرزائي رئيس مكتب مهرجان الفارابي الدّولي الحادي عشر. توجه خلالها الى  وزير الثقافة والمسؤولين اللبنانيين والحاضرين جميعاً فقال : اتقدم بالعزاء والتعاطف مع الشعب اللبناني إثر فاجعة انفجار مرفأ بيروت.

أضاف ميرزائي إنهُ فَخرٌ لمهرجانِ الفارابي الدولي في دَورتِهِ الحادية عشرة أن يُكَرِّمَ العالِمَ اللبنانيَّ الكبيرَ والقديرَ الدكتور علي زيتون. وبسبب جائحةِ كورونا المُستَجِدَّة، تَعّذَّرَت للأسفِ إقامةُ هذا التكريمِ في طهران وبحضورِ رئيسِ الجمهورية هذا العام، ولهذا فإننا حُرِمنا من استضافته في هذا العام. أباركُ له من بلدي هنا جهودَه العِلميّةَ العظيمةَ وعطاءاتِه التي قدمَها للبنان والعالمِ الإسلامي، في المجالاتِ المتعدِّدة، وتأمُّلاتِه الخاصةِ في نهج البلاغة بشكلٍ خاص، وإننا نقدّر ونكرّمُ هذه الشخصيةَ الفكرية القديرة.

كنتُ أودُّ كثيراً أن أكونَ حاضراً مع الحضورِ العزيز في الحفلِ الذي نُظِّمَ بهِمَّةِ المستشار الثقافي العزيز الدكتور عباس خامه يار، لكن بسبب وضع الوباء للأسف لم أتمكَّن من الحضورِ بينَكم. من هنا أباركُ مجدّداً للدكتور زيتون وأقدِّمُ له الدرعَ التكريميَّ والرسالة الموقعة والمُرسَلَة من قِبَلِ رئيسِ الجمهوريةِ إلى جانب  تقديم درع تكريمي من منظمة اليونسكو الدولية ومنظمة إيساسكو الدولية وهدايا متواضعة من المهرجان .

وختم كلمته بالقول "آمل أن نتمكَّنَ قريباً من الحضورِ في محافلِ كبارِ مُفَكِّري لبنان وعلمائِه، ونتمكّن أن نرتقيَ بعلاقاتِنا العلميةِ بين البلدين أكاديمياً لا سيما في فرع العلومِ الإنسانية".

بعدها تليت رسالة الشّكر الموجّهة من رئيس الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة للدّكتور علي زيتون القتها الدّكتورة ريما أمهز.

-  وبعد ذلك تسلم الدكتور زيتون درع مهرجان الفارابي الدولي.

-  كما تسلم الدكتور علي زيتون شهادة تقدير من منظّمة اليونيسكو الدّوليّة.


-  وشهادة تقدير من منظّمة إيسيسكو الدّوليّة

-  و ثم مجموعة هدايا من مؤسّسة مهرجان الفارابي

وأخيرا تم تقطيع  قالب الحلوى.

واستمرّ الحاضرون بالتسامر لساعاتٍ، مع مراعاة التباعد الاجتماعي، كأنما لم يطاوعهم قلبهم بالتباعد الحقيقي من جديد. فكان اللقاءُ حافلاً بالشوق والعشق، وكانت أمسيةً لتكريم الأدبِ والفكر.


09:28 - 14/09/2020    /    الرقم : 756859    /    عرض التعداد : 228