الطبع        ارسل لصديق

جدليات كورونية 5

كورونا؛ جدليات الهوية الإنسانية

نظمت المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان بالتعاون مع وكالة أنباء (إيكنا)، ندوتها الفكرية الخامسة ضمن سلسلة "جدليات كورونية" عبر الفضاء الإفتراضي بعنوان "كورونا؛ جدليات الهوية الإنسانية - مقاربة فكرية حول الآثار المعنوية والمادية لجائحة كورونا على الضمير الأخلاقي والهوية الإنسانية"  وذلك بحضور خبراء وأكاديميين أكدوا  أن زمن الکورونا فرصة لطرح التدین بصورته الجمیلة، والمسالمة والحضاریة، موضحين أن العالم بحاجة إلی وعي جدید ودعاة أکفاء لبث هذا الوعي.

وأقيمت الندوة عبر تطبيق"Zoom Cloud Meeting"  للتواصل عن بعد.

تحدث في هذه الندوة التي أدارها أستاذ علم الكلام والفلسفة في الجامعة اللبنانية الباحث "الدكتور خضر نبها"، الكاتب والأستاذ الجامعي الجزائري د. نور الدين أبو لحية حول "أثر كورونا على الضمير الأخلاقي وعلى إمكانيات الضبط الفردي والمجتمعي"، كما تطرق إمام الجالية اللبنانية في السنغال ورئيس المؤسسة الإسلامية الإجتماعية الشيخ عبد المنعم الزين في محاضرته بهذه الندوة إلى "التقوى وأثرها على الفعل الإنساني".

ومن الكويت، شاركت الباحثة والكاتبة اللبنانية الأستاذة إيمان شمس الدين وتحدثت حول "الأوبئة وأسئلة الهوية الإنسانية" كما تطرق رئيس أساقفة صور وتوابعها للروم الكاثوليك المطران ميخائيل أبرص في محاضرته إلى موضوع "العولمة وأثرها على الهوية الإنسانية؛ كورونا أنموذجاً".

في بداية الندوة تحدث الدكتور عباس خامه يار، المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان، فاستهل کلامه معزیاً بإستشهاد الإمام علي (ع) قائلاً: لا نستطیع وصف شخصیة هذا الإمام العظیم العبقریة والفریدة.

وقال: نعزي کل عالم الإنسانیة بفقدان هذا الإنسان العظیم الذي نحن الیوم بأمس الحاجة إلیه وإلی تعالیمه.

ثم شرح مسار الندوات الخمس قائلاً: إننا بدأنا بندوة واحدة کان الهدف منها تحدی کورونا ومناهضته في مجال العمل الثقافي وإثبات أن العمل الثقافي لا یمکن لجائحة أن توقفه، ولم نتصور بأن هذه الحلقات تستمر بهذا الشکل وأن یکون لها هذا الصدی الکبیرخارج الحدود.

وأضاف خامه يار أن هذه الندوات ستتوقف هذا الأسبوع لسببین، أولاً "نحن مقبلون علی یوم القدس العالمی وثانیاً مقبلون علی یوم النکبة وهما حدثان بحاجة الی فقرات أخری".

وأردف المستشار الثقافي الإیراني لدی لبنان قائلاً: إننا سوف نستمر بالندوات بعد شهر رمضان وبمسار آخر حیث ندرس التطورات الثقافیة التي طرأت في العالم جراء هذا الوباء ونأمل مشارکة الأساتذة من کل مکان.

وفي ختام كلمته، تقدم المستشار خامه يار بالشکر الجزیل لکل الأساتذة الذین واکبوا الندوات وأثروها بمشارکاتهم کما تقدم بالشکر الجزیل للإعلام الإفتراضي والمکتوب لتغطیته الندوات وخص وکالة أنباء "إيکنا" بالشکر الجزیل لتعاونها في تغطیة الندوات علی أعتاب الذکری السابعة عشرة لتأسیسها.

وقال "إننا قمنا بتنظیم هذه الندوات في ظل ظروف تفشي الوباء الصعبة وأثبتت هذه الندوات أن الثقافة یمکنها تجاوز کل السدود وکل العوائق ولا یستطیع أحد حتی وإن کان کورونا أن یقف أمام الأنشطة الثقافیة".

وبدوره، ألقى الكاتب والأستاذ الجامعي الجزائري، الدکتور "نورالدین أبو لحیة" محاضرة بعنوان "أثر كورونا على الضمير الأخلاقي وعلى إمكانيات الضبط الفردي والمجتمعي".

فقال: علینا استثمار تفشي الوباء الجدید وأن نجعل منه فرصة لطرح التدین بصورته الجمیلة وبصورته المسالمة والحضاریة.

أضاف ابو لحية "عندما نتحدث عن کورونا هناك ثلاثة أسئلة یجب عرضها؛ أولاً: هل یمکن للأوبئة أن تؤثر في سلوك الفرد والجماعة؟ ثانیاً: ما هي طریقة ذلك التأثیر؟ أي ما هي المراحل التي یمر بها التأثیر حتی یتحقق في الواقع؟ ثالثاً: ما هي الشروط التي یجب تحقیقها حتی یتحقق التأثیر الإیجابي للأوبئة؟ وأقصد بالأوبئة کل الأحداث التاریخیة الکبری التی تنقل البشر من مرحلة إلی مرحلة أخری".

وبدوره، ألقى إمام الجالیة اللبنانیة في السنغال ورئیس المؤسسة الإجتماعیة الإسلامیة الشیخ "عبدالمنعم الزین" محاضرة تحت عنوان "التقوى وأثرها على الفعل الإنساني"، فاعتبر أنه في مثل هذه المحاضرات سواء في ندوات أو مؤتمرات یکون مصب الحدیث علی بیان المشکلة وقلیل ما نتطرق للعلاج. الطبیب الذي یشرح للمریض مرضه بالدقة الکاملة ولا یعطیه علاجه لا یفیده بشيء.

وأضاف الشيخ الزين "وهنا لدینا مشکلة أو إشکالیة وللمشکلة عدة شعب، إحدی هذه الشعب هو "کورونا" والشعبة الأخری هم "الناس" أي فهم الناس للمشکلة، والشعبة الثالثة هو "موقف الدین" هل للدین موقف من هذه المشکلة أم لا".

وهذه الأمور یمکن البحث فیها عندما یکون هناك أناس متخصصون ولکن نحن نتحدث عن العلاج. وحدیثي عن العلاج أبدأه بآیة حیث یتحدث القرآن الکریم عن الجهاد }وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ{.

ومن جانب آخر، تحدثت الباحثة والكاتبة اللبنانية الأستاذة إيمان شمس الدين، فقدمت محاضرة تحت عنوان "الأوبئة وأسئلة الهوية الإنسانية".

فقالت: إن أزمات الطبيعة كالجوائح تدفعنا دوما لقراءة تداعياتها على البشر، ليس فقط التداعيات الاقتصادية مع أهميتها، لكن الأهم التداعيات الأخلاقية والقيمية، التي تهتم بضبط الفرد والمجتمع، ضبطاً ذاتياً تحتاجه المجتمعات كثيرا حينما تقل نسبة تطبيق القانون نتيجة الفوضى المؤقتة التي تحدث نتيجة هلع الناس وخوفهم من الوباء. هذه القراءة النقدية والمراجعة وهو ما قام به بعض فلاسفة الغرب، تكشف الثغرات الأخلاقية وطريقة تعامل المجتمعات والنخب والحكومات مع الوباء، وما هي موقعية الإنسان وقيمته في ظل الجوائح والأوبئة، التي تعكس فساد أو صلاح القاعدة الفلسفية التي بني عليها الفكر، وتكشف عن فاعلية مصادر المعرفة ومدى قدرتها على الإجابة عن الإشكاليات الملحة المعرفية التي أنتجها الوباء.

اضافت الاستاذة شمس الدين "الفيلسوف وعالم الاجتماع المعاصر إدغار موران قال: تبين لنا هذه الأزمة (ويقصد فيروس كورونا) أن العولمة هي الاعتماد المتبادل دون تضامن. لقد أنتجت حركة العولمة بالتأكيد التوحيد التقني والاقتصادي للكوكب، لكنها لم تعزز التفاهم بين الشعوب، ويضيف قائلا: يخبرنا الفيروس بقوة أن البشرية كلها يجب أن تبحث عن مسار جديد يتخلى عن العقيدة النيوليبرالية من أجل سياسة مضادة للأزمة (NEW DEAL) اجتماعية وبيئية.

اضافت  الاستاذة شمس الدين  إن المسار الجديد سيحمي ويعزز الخدمات العامة مثل المستشفيات التي عانت من تخفيضات مجنونة في أوروبا لسنوات. سوف يصحح المسار الجديد آثار العولمة من خلال إنشاء مناطق متحررة من العولمة، من شأنها حماية استقلالات ذاتية أساسية كالاكتفاء الذاتي من الغذاء، الاستقلالية الصحية... وقال نحن في مجتمع حيث تدهورت هياكل التضامن التقليدية. إحدى المشاكل الكبيرة هي استعادة التضامن، بين الجيران، وبين العمال، وبين المواطنين. مع القيود التي نمر بها، سيتم تعزيز التضامن بين الآباء والأطفال الذين لم يعودوا في المدرسة، وبين الجيران.. إمكانياتنا الاستهلاكية سوف يتم ضربها، ويجب علينا الاستفادة من هذا الوضع لإعادة التكفير في النزعة الاستهلاكية، وبعبارة أخرى الإدمان، و" الاستهلاك المخدِّر، وفي تسممنا بالمنتجات دون فائدة حقيقية، ومن تخلصنا من الكم لصالح الكيف... يمكننا أن نستعيد ذواتنا، ونرى احتياجاتنا الأساسية، أي الحب والصداقة والحنان والتضامن وشعرية الحياة.. الحجز يساعدنا على البدء في تطهير طريقة حياتنا، وفهم أن العيش بشكل جيد هو تحقيق إمكانات "الأنا"، ولكن دائما داخل مختلف " النحن"... علينا أن نستعيد التضامن الوطني، غير المنغلق والأناني، بل المنفتح على المصير المشترك "الأرضي".. فالتضامن الوطني ضروري، ولكن إذا لم نفهم أننا بحاجة إلى وعي مشترك بمصير الإنسان، إذا لم نتقدم في التضامن، وإذا لم نغير التفكير السياسي، فإن أزمة الإنسانية ستسوء أكثر. 

وبدوره، تحدث رئيس أساقفة صور وتوابعها للروم الكاثوليك المطران ميخائيل أبرص حول "العولمة وأثرها على الهوية الإنسانية؛ كورونا أنموذجاً".

فقال :أود أولاُ أن أهنئ المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلاميّة في لبنان وأهنئ الدكتور علي قصير على اختيارهم هذا الموضوع الشيّق "كورونا: جدليات الهويّة الإنسانيّة": فهو موضوع معاصر وهام جدًا لمستقبل العالم أجمع وللبنان بنوع خاص، أشكركم على استضافتكم لي. وأرحب بالآخوة المشاركين في هذه الندوة  و هم  "الحاج عبد المنعم الزين"، و"الأستاذ الكاتب الدكتور نور الدين أبو لحية"، والباحثة الأستاذة إيمان شمس الدين"، وتحية وسلام إلى جميع المشاهدين الكرام. 

وبادىء ذي بدء أحب أن أقول أن هذا الوباء الخبيث كورونا، الذي اجتاح العالم كلّه تقريبًا، قد أصاب حتى الآن أكثر من أربعة ملايين شخص، واباد منهم أكثر من 300.000 إنسان، قد أربك العالم بأسره وكشف لنا أمورًا هامة لها علاقة بالعولمة وبالهويّة الإنسانيّة.

وموضوع "العولمة وأثرها على الهوية الإنسانيّة: كورونا أنموذجًا" إنما يفرض ذاته على ثلاثة محاور: الأول عن ماهية العولمة بحد ذاتها؛ والثاني عن علاقة هذه العولمة بالهوية الإنسانيّة؛ لنطبقها في المحور الثالث على الجائحة "كورونا" كنموذج لتلك العلاقة.

وبالرغم من عمرنا، نحن مع الجيل الجديد، ومع التطوّر الذي يحصل في العالم كلّه، بالرغم من تأثيره المباشر على هويتنا الشخصيّة والوطنيّة. ففكرة العولمة هي أن العالم كلّه أصبح في متناول كلّ من يرغب في معرفة ما يجري في المسكونة وذلك عبر الأقمار الإصطناعية وسائل الإعلام الالكترونية الحديثة. ولهذه العولمة وجهان: إيجابي، إذا عرفنا كيف نستعملها ونستفيد منها؛ وسلبي إذا تركناها تسيطر علينا وتجرفنا.

اضاف المطران أبرص ونحن مع العولمة ونشجع الجميع على الانفتاح لنخرج من قمقمنا الصغير. علينا أن نثبّت وجودنا كدولة ورجال دين وسياسيين وإقتصاديين ومثقفين وكأهل وكأفراد؛ ففي هذه الحقبة من الزمان علينا أن نتابع القضايا العالميّة: ومنها الحروب القائمة في عدة دول في الشرق وفي افريقيا واميركا الجنوبيّة... والوباء الأخير كورونا المنتشر في كل مكان مهدّدًا كل فردٍ منا، البترول في العالم، وكافة أمور الطاقة، البيئة والمحافظة عليها سالمة، الاقتصاد وتدهوره في هذه الأيام العصيبة (كالبطالة وفرص العمل والنقابات والاحتجاجات المطلبيّة...)، وغيرها من المواضيع الإجتماعيّة كاحترام المرأة والعنف الأُسري وفرص العمل، وتسويق المنتجات وما إلى ذلك من الأمور في كل العالم.

ومن لا يرغب أن يتقدّم ويتماشى مع العصر؟ مع المنهج العالمي الجديد؟ كل العالم يتجمّع ليُصبح قوةً أمتن. كلنا نعرف أن العود الصغير وحده ينكسر بسهولة، إنما الرزمة من العيدان تبقى أقسى وأشد صلابة.

وأكبر برهان هو ظهور المؤسسات الدوليّة والعالميّة منذ منتصف القرن الماضي. الدول الأوروبيّة بالذات إبتدأت بالتجمّع وخلقت فكرة الـ Shengen لتقف بقوة أكبر بوجه الولايات المتحدة والصين، وصكّت العملة المشتركة فيما بينها "اليورو" لتجابه  الدولار واليّن الصيني.

وشدد المطران أبرص  على ان العالم كلّه يغلي بحثًا على أن يتقوى ويثبت وجوده على الأرض، وهذا ما علينا نحن اليوم، أن نتشبّه به، لنكون جميعًا كشرقيين يدًا واحدة صلبة قوية ونستفيد مثلهم من وسائل التواصل الاجتماعي الألكتروني الحديثة لنواكب التطوّر الحاصل والتعاضد والتآخي، ونتخطى الشرذمة والتقوقع، فننفتح على الآخرين ونبقى مواكبين التطور العالمي، على كافة الصُعد.

 وهذا واجب علينا وإلا فسنتراجع إلى الوراء أكثر بينما العالم يتقدّم.

ثم كانت مداخلات عديدة للشيخ غالب الناصر من العراق، الدكتور ابراهيم سعيد من سوريا، الدكتور ادريس هاني من المغرب، والدكتورة ليلى شمس الدين والدكتور خضر نبها من لبنان.

لقراءة النص الكامل للندوة، اضغط على الرابط أدناه



Attachment : كورونا_جدلية_الهوية_الإنسانية.pdf ( 279KB )


19:53 - 18/05/2020    /    الرقم : 750040    /    عرض التعداد : 212