الطبع        ارسل لصديق

كعكة لذيذة في منزل الشهيد

زيارة قائد الثورة الإسلامية لمنزل عائلة شهيد مسيحي

تعود هذه الحادثة إلى عام 2015 حين زار الإمام الخامنئي تزامناً مع ذكرى ميلاد النبي عيسى عليه السلام منزل عائلة الشهيد الآشوري روبرت لازار.

وفيما يلي تفاصيل لقاء قائد الثورة الإسلامية مع عائلة الشهيد:
"عندما أبلغنا والدة الشهيد بأنه من المقرر أن يصل خلال عدة دقائق إلى منزلكم، السيد الخامنئي، العبارة لم أكملها حتى ذرفت الوالدة دموعها، الأخوة ما زالوا غير مصدقين، تخرج العبرة مع أول كلمات تخرج من أفواه آلفرد وآلبرت".
فدهشتهم ليست مستغربة، فهي مثل دهشتنا، عندما دخلنا وشاهدنا على جدران منزل مسيحي، يوجد فقط إطارين لصورتين، إحداها لصورة الشهيد روبرت لازار، والآخر لصورة الإمام الخميني الراحل والقائد الخامنئي، إطاري الصورتين ملونتين وقديمتين.
الساعة 6:30 مساءً، وكان في المنزل والدة وشقيقي الشهيد فقط، فیما زوجتا الشقيقين والأحفاد كانوا قد ذهبوا إلى الكنيسة لحضور مراسم ليلة عيد ميلاد عيسى المسيح عليه السلام، الوالدة كانت تصر دوماً على أن نتناول الفواكه والحلويات والمكسرات التي هيأوها لليلة عيد الميلاد.
جلست والدة الشهيد على الكرسي وإلى جانبها شجرة صنوبر صغيرة اصطناعية. المنزل كان صغيراً جداً، والوالدة كانت قلقة بأن أعلى مسؤول في البلاد أتى إلى مثل هذا المنزل الصغير، لكن مسؤولي برنامج الزيارة سعوا إلى تبديد قلقها بأنه ليس أمراً مهماً، أخذوا موافقتها بإعادة ترتيب الكراسي ومائدة الطعام كي يظهر المكان أكبر مساحة، وشقيقا الشهيد جلسا إلى جانب والدتهم.
آلفرد ابتدأ الحديث قائلاً "في عام 1996 عندما كنت عائداً من مدينة كاشان إلى طهران، اصطدمت سيارتي في الطريق، أخذوا مستندات السيارة ونقلوها إلى مدينة قم، عندما ذهبت إلى مدينة قم، قالوا أن ضابط المرور المختص قد ذهب إلى مسجد جمكران، وكان ذلك في شهر رمضان.  
كان يوم الخميس ووصلني خبر بأن شقيقي قد جلبوا جثمانه وسيشيع غداً مع ألف شهيد، كان يوم غد هو يوم القدس، ووالدتي لم تكن تعلم شيئاً، كأنما ألهم قلبها، ذهبت إلى صلاة الجمعة لحضور التشييع، كان ذلك اليوم صاخباً. لم يكن هناك مراسم تشييع مثل ذلك اليوم، حضر عدد كبير من المسلمين في حارتنا لتشييع جثمان شقيقي الشهيد، فتجمعوا في كنيسة مارغيوغيز، وأخذوا يلطمون الصدور، وهتفوا أن النبي عيسى المسيح، هو صاحب العزاء اليوم.

أحد المسؤولين جاء وقال "سيدتي تتذكرين عام 2008 قلتي أريد أن أزور القائد؟ الآن القائد سوف يأتي لمنزلكم". الوالدة تحدثت "قلت للجميع ليت القائد يشرفنا بحضوره في منزلنا، أو أن نذهب نحن لزيارته". آلفرد يذهب ويأتي بصحيفة قديمة (كانت صحيفة همشهري المحلية، المنطقة 11، بتاريخ 1 يناير 2008) كانت تحتوي على نصف صفحة لمقابلة مع والدة الشهيد، وفيها عبارة "الوالدة وفي عدة لقاءات مع مسؤولي مؤسسة الشهيد، طلبت منهم أن يوفروا إمكانية لقاء القائد، ولكنها لم تحصل على جواب، كانت تريد رؤية القائد، وطال انتظارها إلى أن تحقق هذا الأمر".  
الساعة تجاوزت السابعة مساءً، استأنفت الوالدة الكلام "عندما ذهبنا مع قوافل النور لمشاهدة جبهات القتال، لم أذهب إلى مكان استشهاد ابني، كان بعيداً جداً، لا فرق لدي فجميع الشهداء هم أبنائي، تم دفن ابني في مقبرة الأقليات الدينية في طريق ساوة، ودائماً أزور قبره، قبل يومين كنت هناك، في عيد الفصح نذهب كذلك وفي عشرة الفجر أيضاً نذهب لإزالة الغبار عن قبره".

ووسط هذا الحديث , وصل قائد الثورة الإسلامية، الوالدة ذهبت لاستقباله، الشقيقان تقدما وأبديا ترحيبهما. الوالدة قالت "تحية لكم، تحية لجميع الشعب الإيراني، فقال القائد "حفظكم الله"، الوالدة أجابت "تحت رعايتكم"، فابتهل القائد داعياً "حشر الله أولادك مع أوليائه".
الجميع يجلس، الوالدة تقول "نوّرت منزلنا الصغير، أنا سعيدة جداً بزيارتكم"، العبرة لا تعطيها فرصة لإكمال حديثها، تتوقف لحظة وتستمر "للجميع كنت أقول، أن القائد هو لنا أيضاً، ليس قائد للمسلمين فقط، بل قائد للجميع".
قائد الثورة يقدم اعتذاره لتأخره في المجيء، ويعرب عن سعادته للقيام بهذه الزيارة في ليلة عيد الآشوريين، وحسب العادة يسأل عن الشهيد، آلفرد يجيب "كانت قد بقيت عدة أيام على إنهاء خدمته العسكرية، لكنه رفض أن يعود، استشهد بعد إصدار القرار 598 بإنهاء الحرب. في البداية قالوا أنه أُسِر وبعد أن رجعنا إلى المنزل قال رفيقه "كان حتى اللحظة الأخيرة يقف خلف المدفع الرشاش، كلما قلنا له ارجع، لم يستجب، إلى أن وقعت قذيفة هاون في موقعنا وأصيب بجراح، تم أسرنا، قالوا أين البقية، قلنا لم يبق أحد، ضربوني بكعب البندقية على رأسي وغبت عن الوعي، في بعقوبة عدت إلى وعيي، سألتهم هل جلبتم معي أحد، قالوا لا"، وهذه قصة بداية 8 أعوام من عدم معرفة والدتي بمصير ابنها البالغ من العمر 22 عاماً".
القائد قال أن هؤلاء مبعث الفخر، ليس لعائلة الشهيد فحسب، وإنما لكل البلاد، وأشار إلى أن أمن البلاد تحقق بفضل هذه البطولات، وبعد أن أشار إلى الوالدة  قال "إن هذه الأمور يعرفها الجميع ولكن النقطة الهامة هي أن وراء هذه البطولة، بطولة هذه الأم".

"هذه المعنويات قيمة للغاية، أحياناً لا يتحمل شخص ما بحيث يمنع الآخرين أن يتابعوا عمله، ولكن رضا الوالدين ومن ثم صبرهما أوجد هذه الأجواء. أينما أذهب، الأمهات في معظم الأحيان معنوياتهم أفضل من الآباء، نحن الرجال لا نستطيع إدراك مشاعر الإمهات، الرجال كذلك يحبون أبنائهم ولكن هناك فرق مع الأمهات". ألفرد يؤيد كلام القائد، ويقول "عندما ذهبت إلى مقر معراج (مكان وصول جثامين الشهداء) ورأيت الجثمان، عرفته، شقيقي كان ضخماً جداً، عرفته من عظامه، ولكن أبلغوني بأنه يجب تأتي والدته لتؤكد هويته. الوالدة خرجت من ذكرياتها وقالت "ابني كان بطلاً".
وبادر قائد الثورة إلى الكلام مجدداً "الأقلية المسيحية من الأرمن والآشوريين، خرجوا مرفوعي الرأس في الثورة والحرب، باعتبارهم إيرانيين أوفياء وعقلاء وشجعان وذوو بصيرة". الوالدة تغلبت تدريجياً على ارتباكها وقالت "في كرمانشاه، عقدوا مؤتمراً صحفياً، قلت أني لا أجيد التكلم بالفارسية، قالوا ليست هناك مشكلة، تكلمت أفضل من الجميع، قلت المسلم والمسيحي يجب أن يضعا يداً بيد لبناء إيران، قلت أعطوني سلاحاً لأذهب لأقاتل"، وواصلت تقول "نحن لسنا دعاة حرب، بل هم بادروا بشن الحرب"، القائد أيد كلام الوالدة "إنهم ليسوا على استعداد لتحمل استقلالنا".
والوالدة تقول شيئاً باللغة الآشورية لابنها، وآلفرد يسأل القائد متردداً "هل تأكل كعكة تم إعدادها في المنزل؟" القائد يقبل ووالدة الشهيد تفرح، ويتضح أن الكعكة من إعدادها. ووالدة الشهيد تقول للقائد بسرور "أنا أقول اعطوني عملاً أخدم به البلاد"، يقول القائد ببشاشة "إن كلامك هذا عمل كبير، إن أحد أعمال الأنبياء هو "التبيين"، العديد من الأشخاص يسلكون طريقاً منحرفاً لأنهم لا يعلمون، إذا كان هناك بيان فالطريق سيتوضح، هذه من خصوصية هذه السيدة، وقول هذا الكلام عمل كبير والنساء قمن بمهام كبيرة في الحرب، ذهبن إلى الجبهات وقمن بالتمريض، ولكن البيان اهم من هذه الأمور، إن كلامك هذا سواء كان في الكنيسة أو خارجها، وإظهار هذه المعنوية عمل مهم جداً، وإن شاء الله، يطيل في عمرك ويحفظ لك هذه المعنويات".

القائد يتناول قطعة من الكعكة ويقول للمرافقين "الكعكة لذيذة جداً، ألا تأكلون شيئاً؟". الوالدة وابناها يقولون "صحة وعافية"، يتم توزيع الكعكة على المرافقين، الوالدة تقول "يجب أن تتناولوا الفاكهة، وأيضاً المكسرات"، ثم تقول بخجل "البيت صغير" القائد لم يسمح بأن تستمر بخجلها وقال "القلب يجب أن يكون كبيراً، عندما يمتلك الإنسان هدفاً، فأينما يكون هو جيد".
يعطون الصحيفة التي تحتوي على مقابلة مع الوالدة للقائد، يلقي نظرة عليها ويقول "متى تاريخها؟" يسمع أنها كانت في عام 2008، يقول بحسرة "لماذ قديمة إلى هذا الحد؟ ليتني جئت أسرع من هذا الوقت، سواء أنتم أتيتم أو أنا أتيت".
الحديث يصل إلى وضع المسيحيين في إيران، آلفرد يقول "بعد الثورة، أصبح موضوع الدين أكثر أهمية، والآن حتى أساقفة الآشورييين هم من الإيرانيين، في حين كانوا سابقاً يأتون من العراق، وأساقفة الأرمن كانوا يأتون من لبنان أيضاً". قائد الثورة يستذكر أسقف الأرمن الفقيد، آرداك مانوكيان الذي كان مع الإمام الخميني رحمه الله في بداية الثورة، وبعد أن يتحدث قليلاً عن الآشوريين الذين يعتقدون أنهم أقدم المسيحيين بعد المسيحيين في فلسطين (مسقط رأس النبي عيسى عليه السلام)، يتواصل الحديث عن اللغة الآشورية وقربها من اللغة العربية والعبرية وحتى الفارسية.
عندما يحين موعد المغادرة، يقدم قائد الثورة هدية إلى والدة الشهيد ويقول : "إن شاء الله عيدكم مبارك، كانت ليلة جيدة". الوالدة وابناها يقولون "بالنسبة لنا كانت ليلة لا تنسى أبداً". القائد يقول "نحن نهدي للمسلمين مصحف القرآن، لو استطعت أن أجد إنجيلاً جيداً، لجلبته، هذه الأناجيل الحالية، على العموم عبارة عن رواية وليست كلام وحي، طبعاً يوحنا، لوقا، بطرس، من كبار علماء المسيحية، إذ أن بعضهم استشهد. هؤلاء نشروا المسيحية في إيران والروم، وإلا فإن المسيحية كانت في الشرق، بين هؤلاء كان يوجد نبي ووصي نبي، الحواريون كانوا من كبار علماء الدين، في الإسلام وكل من ينكر عصمة النبي عيسى المسيح والسيدة مريم، فإنه يعد خارجاً من الإسلام، إحترامنا للمسيحية بهذا الشكل، الإنجيل كتاب سماوي مثل القرآن والتوراة، لكن الأناجيل الحالية، هذه التي قرأتها، عبارة عن رواية وليس شيئاً نزل من السماء، إذا وجدتها فسأضعها على عيني".


القائد وحسب العادة يستأذن للمغادرة ويقف. وقبل الخروج، يقدم هدايا للشقيقين والأحفاد كي يقدمونها بدورهم إلى آبائهم، أحد المرافقين يقول بهدوء "أخت الشهيد تعيش في اروميه". القائد أيضاً يقدم هدية إلى الوالدة لتقدمها إلى ابنتها، بعد ذلك يودع القائد، ويذهب للقاء عائلة شهيد مسيحي آخر.


08:00 - 25/12/2020    /    الرقم : 741357    /    عرض التعداد : 361