الطبع        ارسل لصديق

المرأة في خطاب الثورة الإسلامية وما قبلها

مريم ميرزاده

لو نظرنا إلى تاريخ إيران، لوجدنا أنّ النظرة للمرأة لم تكن يوماً دونيةً جاهلية، حتى ما قبل الإسلام، فإنّ احترام المرأة كان موروثاً قديماً في الإمبراطورية الفارسية من عهدِ كوروش الكبير الذي نصّت وصاياه الثلاث على الإحترام بالفكر واللفظ والفعل تجاه الإنسان عموماً والمرأة على وجه الخصوص.

ثمّ جاء الإسلام الذي قضى على الجاهلية في أكثر البلاد العربية، وثقافة الوأد والقمع والعار والنقص، ليُبرز الوجه الحقيقي لكرامة المرأة ومقامها، فنزل القرآن الكريم، ليقدمَ نموذجاً يحتذى به من خلال شخصية مريم التي كانت أمها حنّة زوجة عمران قد خجلت من ربها "أن وضعَتها أنثى"، فهي كانت قد نذرت وليدَها لخدمة معبد سليمان، ولم يكن مسموحاً للمرأة بأن تخدمَ في المعبد أو أن تدخله حتى وكان اليهود ما قبل المسيح يستولون على المعبد والمقام. غير أنّ الآية نزلت رداً على حنّة "وليس الذكَرُ كالأنثى"!

هذه الآية تعكس لغوياً أفضلية المشبّه به على المشبّه في هذه الحالة، أي أن الذكرَ لا يرقى إلى مرتبة الأنثى هنا تحديداً، فلقد كانت الأنثى التي وضعتها زوجة عمران سيدة نساء العالمين آنذاك، والدةَ عيسى التي شاء الله أن تكون له أماً بلا زوج وبلا حاجةٍ إلى زوج. ما يُظهرُ حكمةَ الله في جعلِها كاملةً في ما هي عليه، غيرَ منتقَصةٍ في شيء، ويضع بين أيدي البشر آياتٍ تذمُّ الجاهلية الأولى وسلوكيات الوأد والتعنيف والانتقاص، فكانت مريم نموذج المرأة الكاملة العابدة التي دخلت المعبد وقاومت أنظار اليهود الشائنة وإساءاتهم وتعنيفهم، وكانت بلقيس الملكة والمرأة الحاكمة التي يقدّرُها الرجالُ والنساء، وكانت آسية بنت مزاحم المرأة ذات الدور العظيم، وختاماً كانت السيدة الزهراء التي اكتملت بها صورة المرأة النموذجية الأم والزوجة والبنت. لقد كانت فاطمة هي فاطمة، رغم عظمةِ أبيها وزوجِها وبنيها، غيرَ أنها كانت سيدة نساء العالمين بذاتِها ولذاتِها فقط.

أما الترسُّبات الموروثة من العصور الظلامية والجاهلية، فلا تمتّ إلى الإسلامِ بصِلة، تماماً كما لا تمتّ صورة المرأة المفروضة على العالم من ثقافة الغرب والعولمة اليوم بأيّ صلةٍ لثقافتِنا.

وحيث تزامنت الحداثة الغربية مع غزوٍ ثقافيٍّ وفكريٍّ متعدد الأبعاد، رأينا نموذج الثورة الإسلامية في إيران تحمل خطاباً من نوعٍ جديد أقرّ المفكرون والفلاسفة الغرب بأهميته، ولم يجدوا إلى غض الطرفِ عنه من سبيل. لقد جاءت الثورة لتكون منعطفاً أساسياً في تاريخ إيران يشبه في ما أحدث على الصعيد الداخلي، ما أحدثه المنعطف اللغوي في فيينا والمنعطفات الفلسفية لما بعد الحداثة إذا ما درسنا آثارَه النسقية والشبكات الإبستيمية الحاكمة في لحظة الثورة. لقد درس ميشال فوكو أبعاد الثورة الإسلامية في إيران، وقام بتفكيكِ أنساقها المعرفية ضارباً بعمقٍ خلال حفرياته، حتى خلُصَ إلى الإشادة بدور الإمام الخميني معرفياً وعرفاناً.

شكّل موضوع المرأة محوراً أساسياً في عرفان الإمام الخميني العملي، الذي حملَ شعارَه ناظراً إلى مستقبلٍ مشرقٍ لإيران، حتى تكونَ مشروعَ دولةٍ حديثةٍ بعيدةٍ عن الجاهلية وحرةٍ من نير استعباد الغرب في الوقت ذاته، كما عبّر الفكر الإصلاحيّ آنذاك، من الشهيد مطهري والدكتور شريعتي، اللذين كانا بمثابة الممهدين لانتصار ثورة الإمام الخميني على حكومة الفساد والانسياق للغرب على يد الشاه بهلوي.

في الواقع، أعاد الإمام للمرأة ما كان أساساً لها في مواثيق الدين الإسلامي وأصوله. وقد كانت في الدول العربية آنذاك وقبل ذاك، محاولاتٌ لإعلاء صرخة الإصلاح و النهضة وإعطاء المرأة بعضاً من حقوقها، كما رأينا النماذج العربية من محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والجيل اللاحق لهما. غير أنّ الأرضية الخصبة التي كانت متوافرة للإمام هي ما جعلت خطابه يفلح، بعدما كانت الشريحة الشعبية من المطالبين بالإصلاح قد اتسعت بما لا تقدرُ على مواجهتها أيُّ سلطةٍ أخرى أو خطاب.

ربما كان نجاح نموذج الثورة الإسلامية في إيران هو ما أدّى إلى أن تكون المرأة قياديةً وصاحبةَ فكرٍ وصوتٍ ومنصبٍ، إلى جانب دورها التكوينيّ في الأسرة والمنزل. فلقد أكّدت وصايا الثورة التي تمثّلت بفكر الإمام الخميني، على أهمية الدور التكويني الذي لا يمكن للمرأة أن تتغاضى عنه لأنه هويّتُها ودورُها الأسمى الذي لن يقفَ في وجهِ تقدّمها الاجتماعي وإسهاماتِها الفكرية والعملية والعلمية والثقافية. بالنتيجة فإنّ الفروقات التكوينية الحيوية بين المرأة والرجل لا تعدّ انتقاصاً من وجودِ أيٍّ منهما أمام الآخر، والحديث عن المساواة ليس ذا طابعٍ تكوينيّ وإنما يصبُّ في احترام الوجود وتقسيم الوظائف وتوفير ظروف البذل والعطاء الذي تكتنزُ المرأة الكثيرَ منه في ذاتها، وتتمتع بقدرةٍ لامتناهية على جمع عدةِ مهامٍ إلى جانب دورها الأساس.


14:42 - 29/09/2020    /    الرقم : 757650    /    عرض التعداد : 182