الطبع        ارسل لصديق

حافظ الشيرازي... الشاعر الحالم

على مقربة من مدخل مدينة شيراز، وفي منطقة تسمى (الحافظية)، وفي وسط حديقة مخضرة يانعة تحيطها أشجار السرو والتوليب التي تعلو في زهو وكبرياء فتتراقص رؤوسها في أجواء الفضاء في جو حالم من الخيال والجمال يشمخ قبر جميل يشرف عليه بهو دقيق الصنع قد رفع على أعمدة رخامية بيضاء في جو ممتلئ بالصفاء والنقاء والهواء المعتدل والسماء الصافية التي تحيط بكل شيء وكأن القبر قد أضفى على المكان بعضاً من الجو الأسطوري.إنه قبر الشاعر الكبير شمس الدين محمد حافظ الشيرازي الملقب بخواجه حافظ الشيرازي كما اشتهر بـ (لسان الغيب) وسمّي بـ حافظ لحفظه القرآن الكريم بقراءاته الأربع عشرة. كتب حافظ الشعر للإنسان من حيث هو إنسان لا يحده زمان أو مكان فعرف خفايا حسّه ودقائق نفسه فتحدّث إليه بما يقيّم الطباع فلم يك شاكياً باكياً ولا صوفياً نائياً، بل كان قبل كل شيء إنساناً راضياً يستقبل الحياة بما حملت من خير وشر ويرضى بالأيام ما أُودعت من نفع وضير وهو مشرق الوجه باسم الثغر وهذه الميزة هي التي حفظت له مكانته بين شعراء المشرق والمغرب وحققت له شهرته في نفوس الشرقيين والغربيين فكُتب عنه الكثير وترجمت أعماله إلى اللغات اللاتينية والألمانية والفرنسية والإنكليزية وغيرها.لم يكن من المتبع في المشرق أن يسجل عمر الشاعر فيعرف تاريخ مولده وتاريخ وفاته ومقدار ما عاش من العمر على وجه الدقة والتحديد وكل ما ذكره المؤرخون عن حافظ إنه من شعراء القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) وإن قدر بحوالي (725 ــ 792هـ/1326 ـــ 1390م) فهو على سبيل الاحتمال لا التحديد. كان جده الأكبر قد جاء إلى شيراز قادماً من أصفهان في زمن حكام فارس المعروفين بـ (الاتابكان) فاستوطنها ورزق فيها ابناً أسماه (بهاء الدين) فاشتغل (بهاء الدين) بالتجارة فجمع ثروة لا بأس بها وتزوج بامرأة من أهل (كازرون) فأنجبت له ثلاثة أبناء أصغرهم (شمس الدين محمد) المعروف بحافظ. وقد عاش الأخوة الثلاثة في هناء وسعة بعد موت والدهم الذي هيأ لهم أسباب الحياة الرغيدة، لكن هذه الحياة لم تستمر فقد اختل معاشهم واضطربت أحوالهم فتفرقوا وذهب كل واحد منهم ليصنع حياته بنفسه وبقي شمس الدين مع والدته في شيراز. ولكن لم تستطع الأم رعاية ابنها والقيام على تربيته لعسرها وضيق حالها فاضطرت إلى أن تدفع ابنها الذي كان صغيراً إلى واحد من أهل محلتها ليتولاه برعايته ويقوم على تربيته، وظل شمس الدين مع راعيه فترة لكنه ضاق ذرعاً بمتوليه الذي كان فضّاً غليظاً سيء الأخلاق، فهرب منه واشتغل خبازاً فكان يستيقظ كعادة الخبازين في منتصف الليل ويقوم بعمله إلى الفجر ثم يشتغل بالعبادة بعد فراغه من أعماله فإذا ارتفعت الشمس في السماء قصد إلى مدرسة بالقرب منه فقضى قدراً من أوقات فراغه في التحصيل والدرس، وكان يقتصد جزءاً من أجره اليومي يدفعه إلى المعلم أجراً لتعليمه حتى استطاع أن يحفظ القرآن الكريم بأكمله وأصبح يلقب من ذلك الوقت بـ (الحافظ)، وهو اللقب الذي لازمه طيلة حياته والذي كان يعتز به أيما اعتزاز فيذكره في نهاية كل قصيدة يكتبها.وكان يجاور المخبز الذي يعمل فيه أحد البزازين وكان شاعراً فكان حافظ يجلس إليه فيستمع إلى أشعاره فشوّقه ذلك إلى إنشاء الشعر فبدأ يقول أبياتاً لكنها لم تكن بالمستوى المطلوب فكانت سبباً في الاستهزاء والاستخفاف به ومدعاة للخجل والتكدر فدفعه إخفاقه في الشعر أن يختار العزلة والاعتكاف فاختار ضريحاً في شمال شيراز يعرف بضريح (بابا كوهي) فلزمه يتقرب فيه إلى الله بالدعاء. وهناك رواية رويت عنه لا بأس من ذكرها، فهي لا تخلو من فائدة سواء أصحت هذه الرواية أم لم تصح فإنها تكشف لنا عن فترة في حياة حافظ انتقل فيها من شاب يائس محطم الفؤاد بسبب إخفاقه في الشعر إلى شاعر كبير بل من أكبر الشعراء الذين أنجبتهم إيران والذين يصدح الإيرانيون بشعرهم في كل مكان، تقول هذه الرواية إن حافظاً في أيام عزلته واعتكافه زاره الإمام علي عليه السلام في المنام وأخبره أنه سيكون شاعراً ذا شأن وإن الأمور سوف تتيسر له بعد هذه العزلة وإن الشعر سيسلس له قياده.بعد خروج حافظ من عزلته انهمك في المطالعة وقد ساعده حفظه للقرآن الكريم على إجادة اللغة العربية والاطلاع على ما كتب فيها من تآليف كانت رائجة في بلدة شيراز، يقول (محمد كلندام) وهو معاصر لحافظ وجامع لديوانه: "إنه ـ أي حافظ ـ كان من المواظبين على الدروس وكان يشتغل بحاشية الكشاف والمصباح ومطالعة المطالع والمفتاح وتحصيل قوانين الأدب وتحسين دواوين العرب وإن هذا كله منعه من جمع ديوانه". وهذه الكتب التي ذكرها (كلنام) تعد من أمهات الكتب والمراجع للثقافة العربية الشاملة، وقد أمضى حافظ مدة طويلة من عمره يدرّس هذه الكتب وغيرها لتلاميذه بعد أن أسند إليه قوام الدين محمد وزير الشاه شجاع منصب الأستاذية في مدرسة شيراز. ولكن نفسه كانت تتوق إلى الشعر فكانت قريحته تنفث شعراً باللغتين العربية والفارسية وأصبح شعره تتداوله الألسن فهو ينشد في حرارة واطمئنان: "من بين حفظة القرآن، لم يجمع أحد مثلي لطائف الحكماء مع أحكام القرآن، لم أرَ أجمل من شعرك يا حافظ، قسماً بالقرآن الذي تكنه في صدرك...".وقد لاقت أشعار حافظ رواجاً لا نظير له واستحسنها الناس استحسانا قلما قابلوا به غيره من الشعراء فبدأوا يرددونها ويرتلونها وراقتهم تلك المعاني الجميلة التي احتوتها أبياته فأعترف بفضل الله عليه وإنه تعالى هو الذي وهبه جمال القول وعذوبة الكلام:وأما أنت يا ضعيف النظم لماذا تحقد على حافظوالله وحده هو الذي أعطاه القبول لما يجول به خاطره وما ينطق به لسانه

وبلغ من إعجاب الشعراء بشعره أن لقبوه بـ (لسان الغيب وترجمان الأسرار)، يقول الشاعر (جامي) الذي عاش في القرن التالي لعصر حافظ في كتابه (نفحات الأنس) في سبب تلقيب حافظ بهذا اللقب: "إن صاحب هذا اللقب ـ أي حافظ ـ قد كشف عن كثير من الأسرار الغيبية والمعاني الدقيقة التي التفت في ألبسة المجاز وإن أشعاره خالية من التكلّف والاضطراب". وليس من شك إن القوم وجدوا في أشعار حافظ تلك المعاني الجميلة التي تجول في النفس وقد صورها لهم في أحسن الصور وعبر لهم عنها في أعذب النبرات فبدأوا يرفعونه إلى مرتبة فيها شيء من التقديس والاجلال، أما شعره باللغة العربية فكان خير معبّر عن إجادته لهذه اللغة والإلمام بها، فأشعاره بالعربية صاغها في لغة سليمة يُزينها الابداع في السبك والعذوبة في القول كقوله من قصيدة طويلة:ألم يأنِ للأحبابِ أن يترحّمـــــوا وللناقضين العهدَ أن يتندّمواألم يأتهم أنباء من بات بعدهــــم وفي قلبه نار الأسى تتضّرمُفيا ليت قومي يعلمون بما جرى على مرتجٍ منهم فيعفوا ويرحمواحكى الدمع مني ما الجوانح أضمرت فيا عجباً من صامتٍ يتكلّمُ
فلو نسبت هذه القطعة الجميلة لشاعر عربي في العصر العباسي لما شككنا إنها له.

ويستمر حافظ في التدريس ولكن الفقر والإملاق يأبيان أن يفارقانه فمهنة التدريس لم تكن تدرّ عليه من الرزق إلاّ النزر اليسير وكان أجره يخضع لتقلبات الزمان والحكام فكثيراً ما كان أجره ينقطع أو يقل من قبل الحاكم الذي كان يتبدل بآخر بين فترة وأخرى في عصر مليء بالفتن والاضطرابات والانقلابات والنزاع، وقد عاصر حافظ هذا التطاحن والتنازع السياسي فكان ينظر إليه نظرة المتفرج الذي لا يهمه من السياسة شيء والذي لا ينفعه أو يضره فوز الفائز أو خسارة الخاسر فلم يكن يمدح سلطاناً لا بسبب ذلك الاضطراب بل لأنه أصلا بعيد عن التزلف والتملق. ورغم ابتعاده عن الحكام والسلطة إلاّ أنه لم ينجُ من بعض التهديدات والمكايدات التي أحيطت به إذ إن أشعاره تردد ذكرها في الآفاق بينما لا تستطيع أشعار غيره أن تتعدى أبواب شيراز ومن هؤلاء الحساد الشاه شجاع الذي كان شاعراً وكان يتلمس الأسباب لإيذاء حافظ والايقاع به ولكنه لم يصل إليه بمكروه فقد مات الشاه شجاع وتقوّضت دولة أسرته وشاهد حافظ تيمور لنك المغولي يدخل شيراز بأقدامه الثقيلة فيدك القلاع ويهدم البيوت ويخرب الديار.لقد كان حافظ شاهداً على كثير من المآسي والقصص الحزينة التي تعرضت لها مدينته شيراز من حكامها وقد انعكس أصداء هذه المآسي في أشعاره ففي كل قصيدة كان يبدو أكثر ألماً واقرح كبداً:إن صدري يفيضُ بالآلامِ، فهل من مرهم مجرّب؟ وإن قلبي يضيق بالوحدة، فهل من صديق مقرّب؟وهذا الفلك الجامع لا يدع احداً في راحة وهناء.لقد عاش حافظ ليرى الجيوش المتوحشة وهي تفسد مدينته الحبيبة التي طالما غنى لها وتغنى بها، ولم يتغير موقفه الثابت من الحكام عند دخول تيمور لنك إلى المدينة، بل ازداد بعداً بعد أن وجد أن الحكام الجدد أقسى قلباً وأغلظ طبعاً ممن سبقه ولم يطل المكوث بحافظ في هذه الدنيا بعد أن رأى ما حل بمدينته من الدمار من قبل تيمور لنك فعاجله الموت بعد أن ترك ديواناً ضخماً اشتمل على شعر رائق عالج به كثيراً من الأغراض ولعل وصف (جوته) لشعر حافظ يغنينا عن الكثير من الأقوال عندما قال: "إن المشتغل بحافظ لا يستطيع أن يفرغ منه، وإن القارئ لشعره لا يستطيع أن يتحوّل عنه". ثم يخاطبه قائلا:"وأنت يا حافظ.. لا تؤذن بانتهاء.. وهذه عظمتكوشعرك كالفلك يدور على نفسهبدايته ونهايته سيّانإنك نبع الشعر الذي يصل بالأماني إلى الأوج". 


22:52 - 10/10/2020    /    الرقم : 758131    /    عرض التعداد : 237